سيد محمد طنطاوي
92
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
اللام في قوله : * ( لَقَدْ كَفَرَ ) * واقعة جوابا لقسم مقدر . والمراد بالكفر : ستر الحق وإنكاره ، والانغماس في الباطل والضلال . والمعنى : أقسم لقد كفر أولئك النصارى الذين قالوا كذبا وزورا : إن اللَّه المستحق للعبادة والخضوع هو المسيح عيسى ابن مريم . قال بعض العلماء ما ملخصه : « لقد اتفق النصارى على أن يسوع عندهم فيه عنصر إلهي » وإذا كان الأمر المعروف عندهم أن يسوع ابن اللَّه وفيه عنصر إلهي فقد قالوا : إن الألوهية قد حلت فيه . ولازم ذلك القول أن يكون هو اللَّه ، أو هو إله يعبد ومهما يكن فقد قالوا باتحاد عنصر الألوهية فيه . وقد قال في ذلك البيضاوي : « هم الذين قالوا بالاتحاد منهم . وقيل : لم يصرح به أحد منهم . ولكنهم لما زعموا أن فيه لاهوتا ، وقالوا : لا إله إلا واحد لزمهم أن يكون هو المسيح فنسب إليهم لازم قولهم » . وذلك بلا ريب ينتهى إلى القول بأنهم يعتقدون أن المسيح هو اللَّه ، وإن لم يصرحوا بذلك ، فهو لازم قولهم باتحاد عنصر الألوهية فيه مع اللَّه . وإن ذلك الكلام تخريج على أن النصارى مذهب واحد في اعتقاد الألوهية وأنه ابن اللَّه وبذلك يكون قوله - تعالى - في أواخر هذه السورة لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّه ثالِثُ ثَلاثَةٍ متلاقيا مع هذا النص الكريم فهنا صرح بلازم قولهم وهناك صرح بذات قولهم . والحقيقة أن النصارى اليوم - وهم لا يزالون يغيرون ويبدلون - يصرحون بأن الأقانيم ثلاثة . وأنها شيء واحد . وينتهون إلى أن المسيح هو اللَّه ، واللَّه هو روح القدس . فقد قال الدكتور بوست في تاريخ الكتاب المقدس : « طبيعة اللَّه عبارة عن ثلاثة أقانيم متساوية الجوهر هي : اللَّه الأب ، واللَّه الابن واللَّه الروح القدس فإلى الأب ينتمى الخلق بواسطة الابن وإلى الابن الفداء ، وإلى الروح القدس التطيهر . غير أن ثلاثة الأقانيم تتقاسم جميع الأعمال على السواء . أما مسألة التثليث فغير واضحة في العهد القديم ، كما هي في العهد الجديد » . ومن هذا الكلام يتبين أن النصارى يصرحون بأن الابن هو اللَّه ، ولا يكون الكلام بطريق اللازم لقولهم ، بل بطريق الصريح منه . فهم يصرحون بأن اللَّه هو الابن ، كما أن اللَّه هو الأب ، كما أن اللَّه هو روح القدس « 1 » هذا ، وقد أمر اللَّه - تعالى - نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن يرد على أولئك الذين قالوا * ( إِنَّ اللَّه هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ) * بما يكشف عن جهلهم وضلالهم فقال - تعالى - :
--> ( 1 ) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الشيخ محمد أبو زهرة مجلة لواء الإسلام السنة 19 العدد 11